السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
33
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
مسقط رأسه ومنبت غرسه أمل قلّما أسعف بنيله نجح ، أو تبلّج لليله صبح ، فاستأذن مولانا السلطان - خلّد اللّه تعالى ملكه ، وأجرى ببحار النصر فلكه - في استدعائنا من المواطن الشريفة ، ونقلنا إلى سدّته المنيفة ، فأذن له فيما استدعى ، وأسعفه بما أكّد عزمه على الاستدعا ، فكشف عن وجه عزمه نقابه ، وإذا أراد اللّه شيئا هيّأ أسبابه . فجهّز إلينا وزيره المعتمد ، وأمره بقطع هذه المدّة في أقرب أمد ، فورد علينا والقلوب لوروده فزعة ، والنفوس من وفوده جزعة ، وما ذاك إلّا لفراق تلك الديار الشريفة ، والانتقال عن هاتيك الأقطار الوريفة ، مع ما طبعت عليه النفوس من حبّ الوطن ، والجزع لفقد السكن ، وقد قيل : عمّر اللّه البلدان بحبّ الأوطان ، وكان يقال : ليس الناس إلى شيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم . وقيل : ميلك إلى موضع مولدك من كرم محتدك . وقالت الحكماء أنّ من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها مشتاقة ، وإلى مسقط رأسها توّاقة ، وقال الشاعر « 1 » : أحبّ بلاد اللّه ما بين منعج * إليّ وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها عقّ الشباب تمائمي * وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها « 2 » فراجعنا الوالد في فسخ هذا العزم الذي أبرمه ، وإطفاء هذا الوجد الذي أضرمه ، فلعلّ اللّه أن يمنّ بالاجتماع في أشرف البقاع ، ويطوي مسافة البين من البين ، فلن نعدم منه سبحانه كافيا . وقد يجمع اللّه الشّتيتين بعدما * يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا « 3 » فلم تثن مراجعتنا له عزما ، ولم تغن إلّا تصميما وجزما ، فأعاد الجواب
--> ( 1 ) البيتان من قصيدة أوردها ياقوت في معجم البلدان ( مادة منعج ) معزوة لبعض الاعراب ، وأوردهما النويري في نهاية الإرب 7 / 298 ، ويراجع الزهرة 2 / 300 للوقوف على المصادر الأخرى . ( 2 ) عقّ الثوب : شقّه ، وعق الرحم : قطعها . وفي معجم البلدان ( حلّ الشباب تميمتي ) . ( 3 ) البيت لمجنون ليلى من قصيدته المسماة بالمؤنسة .